Placeholder

DzairNews وطني

حمروش: هذا هو الطريق للخروج من المأزق السياسي

في ثان خرجة اعلامية له، يقدم الوزير الاول السابق مولود حمروش رؤيته لمستقبل الحراك الشعبي و المأزق الدستوري الذي أصبحت عليه الجزائر اليوم.

مولود حمروش مولود حمروش

أسقط حراك 22 فبراير جدار الخوف ووضع حدا للخنوع، وقد كان هذا اليوم متبوعا بجمعات مباركة أخرى شاركت فيها كل شرائح المجتمع النقابية والحزبية والفئوية والجمعوية.لقد كانت لحظة خلاص فريدة.

لقد كان هذا الحراك المبهر ثورة سلمية حازمة ضد النظام وضد سنين الانسداد والتقهقر الاجتماعي والسياسي والردة في مجال الحقوق والمواطنة، بسبب نظام حكم اتسم بالجمود وغياب العقل، نظام صنع لنفسه شبكات من الموالين والطيعين يساومون الجزائريين يوميا أمنهم وحرياتهم وحقوقهم ويمنعون تشييد الدولة الوطنية الصائنة للحق..

لقد اكتفى الكثير من الذين تولوا شأن البلاد بالتربع على رأس السلطة وممارسة سلطات التعنيف وخرق القوانين والحقوق وعدم احترام أدنى قدر من الأخلاق، لقد تغاضوا عن النهب والكسب غير المشروع وعن القمع حتى صارت هذه هي الأدوات الوحيدة في إدارة البلاد ومراقبة المجتمع في جميع أبعاده ومكوناته.

إن غياب قدرات قيادية وسلطة سياسية لا علاقة له بأي مسألة أيديولوجية، إنه متصل بنقائص تنظيمية واجتماعية. وتعود هذه النقائص لآلية سوسيولوجية معيقة ترفض تشكيل أية قوة سياسية أو اجتماعية وتمنع أي نزوع للانخراط والالتزام، حارمة بذلك المجتمع بكامله من أية قدرة نظامية وتنظيمية أو مؤسساتية.

لقد عبر الجزائريون عن طريق الحراك عن رفضهم التام لقاعدة التعيين بدل الانتخاب ورفضهم لغياب القانون وتفشي الرشوة وأسلوب التعنيف. لقد كان ذلك واضحا تمام الوضوح، لأن هذا النمط من النظام يوهم بحكم البلاد وهو في حقيقته نظام تسلطي يستغل ثروات البلاد وقدراتها ويضعف المشروع الوطني الذي سقته كل المكونات الجزائرية بدمائها وغذته بآلامها خلال حرب التحرير وبالحرمان والمعاناة بعد الاستقلال.

وقد كشف هذا الحراك القوي الذي جاب كل مدننا وكل قرانا عن التباسات خطيرة، كما منح في الوقت نفسه الجيش والأحزاب فرصا حقيقية. وفي المقابل، ينتظر الشعب منهم جميعا إيجاد آفاق واعدة قبل فوات الأوان أو الانزلاق نحو ألوان من العنف.

إن أي حراك جماهيري مهما بلغ حجمه وعمقه لا يفضي بسهولة ويسر إلى إنتاج امتداد بشري وسياسي ومؤسساتي له، حتى ولو كان ذلك عبر تنصيب هيئات انتقالية أو عقد ندوات وطنية، لأن هذا الأمر يبقى من أوكد مسؤوليات وواجبات الجيش والنخب الوطنية.

لا يمكن لأية تعددية حزبية، صورية أو متواطئة، هيكلة نقاش سياسي وطني، كما لا يمكنها هيكلة علاقات اجتماعية وسياسية. ولا تسمح مثل هذه التعددية الصورية أيضا بممارسة الحكم والحصول على المشاركة وعلى المساندة الشعبية. كما لا تؤدي هذه التعددية الصورية إلى تحسين أي أداء حكومي ولا إلى تقوية مكانة المعارضة ولا إلى توفير البدائل، والأخطر أنها تكتفي بالتغذي من انتخابات وهمية ومن تنظيم حزبي وهمي هو الآخر. والأدهى أن هذه الأوهام لا تسمح بقيام أي شكل من التمثيل الاجتماعي أو النيابي، كما تفرغ كل فعل سياسي من كل مضمون ومن كل إمكانية تجسيد.

إن حال النخب الوطنية اليوم هو كحالها بالأمس، فهي لم تتمكن بعد من إتقان سياق تشييد الدولة الوطنية والوصول به إلى غايته، شأنها في ذلك شأن عجزها عن تصور أدوات قانونية وميكانيزمات لحكم شرعي ناجع. هذا الإخفاق هو المتسبب الأول في الفشل وفي ضياع الوقت وتفويت الفرص وفي ظهور الانسدادات. كما يشكل هذا الإخفاق في حد ذاته تهديدات خطيرة على مكتسباتنا الضئيلة والثمينة من الحرية والسيادة التي افتكت بدماء جحافل من الشهداء وبتضحيات جسام.

لهذا فالإسهامات والمقترحات المقدمة من سياسيينا ومن مفكرينا ومن خبرائنا ومن محللينا قد بقيت، بالرغم من جديتها، من دون تأثير. لقد عجزت كلها، بغض النظر عن مميزات ومحدودية كل منها، عجزت بسبب غياب كارثي لمنظومة تتولى الإشراف على صياغة الحل وتجسيده ومراقبة تنفيذه الكامل. كما عجزت أيضا بسبب غياب تحديد مسبق لنمط الدولة المتوخى. إذ أن النمط المتوخى هو الذي سيحدد النموذج ويحدد المسارات ويحدد المجالات وجدولتها.

اللهم إلا إذا كانت غاية هذه الإسهامات والمقترحات والمطالب إضفاء غموض على أي أفق جديد وإبعاد أي فرصة لإعادة انطلاق "مشروع الجزائر". كما لو أن العشريات الثلاث من العنف ومن غياب حكم شرعي وإدارة قانونية ومن التحايل ومن الوعود الزائفة لم تكن درسا كافيا.

قد تعاني المؤسسات والرجال من عجز في الإرادة أو من غياب المصداقية ومن سوء الظن أو من العجز في الخبرة، غير أنه لا يمكنها بأي حال من الأحوال التذرع بكونها لم تكن قادرة على الفعل أو لا تتوفر على مشروع حقيقي أولم تكن تمتلك جوابا شافيا.

لقد أسقط حراك 22 فبراير وقائع تعددية صورية وهمية، وفضح الكثير من العوائق الفادحة ومن الفراغ السياسي الرهيب. كما أعطى في الوقت نفسه بلادنا فرصا حقيقية وحظوظا فعلية.

من الخطأ التوهم بأن استقالة الرئيس بوتفليقة وتعيين رئيس الدولة بالنيابة وتنظيم انتخابات رئاسية ستسد كل الثغرات وتنهي كل الاعتراضات وتعالج كل الأمراض وتحقق كل التطلعات. لأن مثل هذا التوهم قد يجعلنا لا نلتفت لدروس تجاربنا التاريخية الثمينة في ممارسة الحكم التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم. كما يمكن أن ينسينا مثل هذا التوهم الكم الهائل من التبذير في الوقت والطاقات البشرية والمالية.

إن الحراك السلمي المبهر قد حقق مجموعة من المكتسبات. لقد منع أي تصادم دموي بين العصب بواسطة شبكات الولاء والإذعان. إن حجم وقوة وحدة الحراك الشعبي قد جنب الجيش التدخل ومكنه من المحافظة على انسجامه التام. بعد ذلك وتبعا لتطور الأوضاع داخل أروقة الحكم، انحاز الجيش طبيعيا إلى جانب الشعب، وهو ما جنبه أن يكون في تناقض مع صبغته الوطنية أو يكون عرضة للتدمير من طرف قوى دولية أجنبية، لاسيما منها المطلة على البحر الأبيض المتوسط وحلف الأطلسي، مثلما وقع للعراق وليبيا وسوريا. لأن النظام الدولي ودوله القوية يرفضون التعايش مع أي جيش قوي غير خاضع لرقابة دستورية ومؤسساتية ولقوانين صارمة للمراقبة في مجال الأداء والتوظيف والاستخدام. فما بالك إذا كان جيشا في خدمة أو تحت رحمة شخص مطلق التصرف والسلطات، يوظفه كأداة حكم وقمع أو للضغط به على المحيط أو ابتزاز الجوار.

للجيوش الوطنية الخاضعة لرقابة مؤسساتية ودستورية والخاضعة لالتزامات الدولة وهيمنتها فقط حق الوجود وربط علاقات دولية والانخراط في منظومة السلم العالمية ومنظومة حفظ الأمن والاستقرار الإقليمي.

يجب اعتبار أن تموقع قيادة الجيش مع مطالب الشعب المشروعة قد حافظ على الطبيعة الوطنية للجيش الوطني الشعبي. وبقي على قيادة الجيش الآن الإسهام في إتمام بناء الدولة الوطنية وصياغة دستور وإقامة مؤسسات تملك فعليا سلطات الترخيص والضبط والتأهيل والرقابة التي ستضع نهائيا الجيش في مأمن من أي تنازع سياسي متحزب ومن أي توظيف له كقاعدة حكم سياسي أو كوسيلة في يد أي كان.

سيكون من المزعج حقا الاعتقاد بأن تشييد الدولة الوطنية هو تحصين للجيش وحماية له من كل خطأ. بل إن تشييد الدولة الوطنية يرسخ الديمقراطية ويجعلها تؤدي وظيفتها ويجعل الحكومة محل تنافس وتداول، على أن لا ينجر عن ذلك طعن في أسس الدولة وفي دور الجيش ولا يشوش على المنظومة الوطنية الدفاعية والأمنية ولا يطعن أو يتخلى عن واجباتنا والتزاماتنا الدولية.

وسيكون من قصر النظر أيضا الاعتقاد بأداء ديمقراطي حكومي من دون قيام الدولة وتحصينها. فوجود الدولة وديمومتها هما اللذان أسسا ميكانيزمات الديمقراطية وفرضاها في الحكم. كما فرض الإنابة السياسية وحماية الحريات والحقوق ووجوب وجود سلطات مضادة.

إن عدم التوصل إلى حل وأي صعوبة في التأليف بين النخب وأي مشكلة في التلاقي بينها لكي تكون في مستوى وحدة تجند الجزائريين، ستفضي لا محالة إلى تشويه أكبر لصورة نخبنا الحاكمة وسمعتها، وتثبيت أنها غير قادرة على التوافق بسبب التنازع على تقاسم السلطة والمنافع أو بسبب التعنت، في حين أن الأمر الجوهري هو تحديد كيف ينبغي الوصول إلى حكم الجزائريين بصفة ديمقراطية وكيف يمكنهم اختيار من يتولى شؤونهم وكيف يراقبونه وكيف يستبدلونه.

من دون معالجة هذه المعضلات، سيخذل كل تدافع على السلطة والمناصب، كل الإرادات الخيرة ويضيع كل الفرص. لهذا لابد من تحديد قواعد الوصول إلى السلطة وكيفية ممارستها ومراقبتها وإعلانها صراحة حتى يتم احترامها. لهذا من الملح البدء بتحديد دور الدولة ومهامها حتى لا تكون محل تنازع ولا محل تنافس في المستقبل. لهذا ينبغي إدراك أن الأمر متعلق بتشييد الدولة الوطنية الديمقراطية لكل مكونات الجزائر، دولة ستفرض قوتها القانونية وروابطها الشرعية على الجميع بعيدا عن كل عاطفة وكل محسوبية. نحن لسنا أمام مخادعة أو وهم ولا وعد غير مؤسس، نحن بصدد تجاوز العجز في تسيير البلاد وحكم الأمة. فالأولى مسألة هيكلية وتنظيمية، أما الثانية فهي مسألة سياسية ومؤسساتية.

لابد من الوصول إلى السبل والوسائل لكي نفرض مرة أخرى المعيار القانوني ونؤسس المراقبة والرقابة. إن العزم على استبدال الممارسات والعادات المعمول بها يحتم جردها وتغييرها واستبدالها. إن عملية تعويض هذه الممارسات بمعايير وقواعد لهو أكثر أهمية وأصعب من تعويض الأشخاص، غير أنه أنجع وأنفع بشرط أن تجري تحت رقابة عدالة فعلية ورقابة مناضلي مشروع الجزائر ومناضلي الديمقراطية وتحت مراقبة الصحافة والمواطنين والرأي العام.

تشكل عادات وممارسات الغش المتجذرة قاعدة الحكم في الجزائر. إن قاعدة التعيين وتوكيل ممارسة السلطة تسمح للنظام بالتكيف والاستمرار بعد زوال الأشخاص وحتى تجاوز أزمات تجدده. إن دواليب السلطة هي أكثر انضباطا تجاه شبكات الولاء والطاعة. ولهذا فهذه الدواليب لن تغير من عاداتها إلا تحت طائلة القانون والرقابة التي يمارسها ممثلو الشعب.

إن أي عملية انتخابية، مثلا، لن تفضي إلى ضمان أي وفاء ولا توفير أي نجاعة، مادام المعيار القانوني للمراقبة والرقابة لا يجبر على احترام الالتزامات، بواسطة سلطات مضادة حقيقية وسبل طعن مضمونة. فالنظام سيكون أكثر ميلا للاستماع للشبكات الخارجية أكثر من إنصاته لقوى سياسية هشة أو خاضعة لضغوط قوية أو لعروض مغرية.

في واقع الأمر، فالمسألة تتعلق بحجم المجهود المطلوب للانعتاق من نظام حكم عقيم يبذر ثروات البلاد ويصادر حرية المجتمع ويرهن صيرورته. فالمسألة لا تتعلق بفقدان النفوذ أو امتلاك مزيد من السلطة، إذ يتعلق الأمر بالتوصل مع أطراف النظام ومع الجيش ومع الأحزاب إلى اتفاق على الصيغة النهائية في تنظيم الدولة وسلطاتها السيادية وعلى مكانة الجيش باعتباره مؤسسة دولة للدفاع والأمن وعلى الشكل الديمقراطي للحكم وعلى الرقابة السياسية والمؤسساتية التي سيجري العمل بها في المستقبل.

ما هي الضمانات والالتزامات التي يتوخاها الحراك ومنشطوه ويقبلونها شروطا مسبقا لتفادي كل أشكال التحايل والتلاعب والمناورات؟

ستكون الأسابيع المقبلة حرجة وحاسمة لتأكيد قدرة النخب السياسية على التوجه بثبات نحو حماية الدولة والجيش، وذلك بوضع آليات وميكانيزمات ديمقراطية حاكمة، وإيجاد رقابة فعلية تمارسها مؤسسات فاعلة ومنتخبون فعليون.

لقد بنيت ونفذت كل استراتيجيات زعزعة الاستقرار، وكل عمليات الاستخدام وكل سياسات التقهقر عبر ثغرات غياب اليقظة وقلة التبصر.ليس المهم اليوم معرفة من يملك قدرات أكبر أو دراية أعمق أو تخصصا أوسع لإنقاذ البلاد وجيشها، فالمسألة تتعلق بكيفية الإسهام في تنظيم هذه الحيوية وهذا الذكاء لدى شعب قوي بشبابه وبمهاجريه في أوروبا وفي أصقاع العالم، شعب مصر على تجسيد "مشروع الجزائر".

قد اكتفى الكثير من الذين تولوا شأن البلاد بالتربع على رأس السلطة وممارسة سلطات التعنيف وخرق القوانين والحقوق وعدم احترام أدنى قدر من الأخلاق

 لقد عبر الجزائريون عن طريق الحراك عن رفضهم التام لقاعدة التعيين بدل الانتخاب ورفضهم لغياب القانون وتفشي الرشوة وأسلوب التعنيف

إن أي حراك جماهيري مهما بلغ حجمه وعمقه لا يفضي بسهولة ويسر إلى إنتاج امتداد بشري وسياسي ومؤسساتي له، حتى ولو كان ذلك عبر تنصيب هيئات انتقالية أو عقد ندوات وطنية

 لا يمكن لأية تعددية حزبية، صورية أو متواطئة، هيكلة نقاش سياسي وطني، كما لا يمكنها هيكلة علاقات اجتماعية وسياسية.

 إن الحراك السلمي المبهر قد حقق مجموعة من المكتسبات. لقد منع أي تصادم دموي بين العصب بواسطة شبكات الولاء والإذعان. إن حجم وقوة وحدة الحراك الشعبي قد جنب الجيش التدخل ومكنه من المحافظة على انسجامه التام.

 إن الأمر الجوهري هو تحديد كيف ينبغي الوصول إلى حكم الجزائريين بصفة ديمقراطية وكيف يمكنهم اختيار من يتولى شؤونهم وكيف يراقبونه وكيف يستبدلونه.

إن أي عملية انتخابية، مثلا، لن تفضي إلى ضمان أي وفاء ولا توفير أي نجاعة، مادام المعيار القانوني للمراقبة والرقابة لا يجبر على احترام الالتزامات، بواسطة سلطات مضادة حقيقية وسبل طعن مضمونة.

 

 

Placeholder


Placeholder